محمد بن محمد ابو شهبة
384
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
مال يريد أن يعرّس بها فأبت عليه ، فوجد في نفسه ، فلما كان بالصهباء نزل بها هناك فمشطتها أم سليم ، وعطرتها ، وزفتها إلى النبي وبنى بها ، فسألها : « ما حملك على الامتناع من النزول أولا » ؟ فقالت خشيت عليك من قرب اليهود ، فعظمت في نفسه ، ومكث رسول اللّه بالصهباء ثلاثة أيام ، وأولم عليها ودعا المسلمين ، وما كان فيها من لحم وإنما التمر والأقط والسمن ، فقال المسلمون : إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه ، فلما ارتحل وطّأ لها خلفه ومدّ عليها الحجاب ، فأيقنوا أنها إحدى أمهات المؤمنين . وقد بلغ من إكرام النبي لها أنه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته لتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب ، وقد بلغ من أدبها أنها كانت تأبى أن تضع رجلها على ركبته ، فكانت تضع ركبتها على ركبته وتركب . ولما كانت ليست بعربية ولا قرشية كان بعض نساء النبي يدللن عليها ويحاولن النيل منها ، ولكن العادل المنصف ، وناصر الضعفاء كان ينتصر لها ، وينافح عنها ، ويلقنها كيف ترد عليهن ، فقد بلغ النبيّ أن عائشة وحفصة نالتا منها ، فقال لها : « ألا قلت : وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد ، وأبي هارون ، وعمي موسى » رواه الترمذي ، بل بلغ من انتصار النبي لها أن هجر زينب بنت جحش مدة لنيلها منها ، ووصفها لها باليهودية « 1 » . فلا عجب أن كانت تحب رسول اللّه حبا جما ، وشديدة الوفاء والإخلاص له ، ففي مرض موته اجتمع نساؤه حوله ، فقالت صفية : يا نبي اللّه لوددت أن الذي بك بي ، فغمزن ببصرهن ، فقال : « مضمضن » فقلن : من أي شيء ؟ فقال : « من تغامزكن بها ، واللّه إنها لصادقة » . وقد روت عن النبي الأحاديث ، وروي عنها ، وكانت صفية عاقلة حليمة صادقة ، يروى أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقالت : إن صفية تحب السبت ، وتصل اليهود ، فبعث إليها فسألها عن ذلك ، فقالت : أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني اللّه به الجمعة ، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما ،
--> ( 1 ) رواه ابن سعد .